عرضت الباحثة بزاويت إشيتو في تقرير نشرته هورن ريفيو ملامح السياسة الخارجية المصرية خلال السنوات الأخيرة، موضحة أن القاهرة تحاول الظهور كقوة مستقلة عبر التقارب مع الصين وروسيا، لكنها في النهاية تبقى مرتبطة بالولايات المتحدة سياسيًا واقتصاديًا، وتعجز عن التحرر الكامل من النفوذ الغربي، خصوصًا مع تصاعد الأزمات الاقتصادية والضغوط المعيشية داخل البلاد.
أشارت هورن ريفيو إلى أن انضمام مصر إلى مجموعة “بريكس+” وتوسيع التعاون العسكري مع بكين وموسكو لا يعكسان تحولًا جذريًا بعيدًا عن واشنطن، بل يعبران عن محاولة مصرية لاستخدام الشرق كورقة ضغط لتحسين شروط العلاقة مع الغرب، في وقت تواجه فيه الدولة أزمة عملة صعبة وارتفاعًا حادًا في تكاليف المعيشة وتراجعًا في الإيرادات الحيوية مثل عائدات قناة السويس.
تقارب مع الصين وروسيا تحت المظلة الأمريكية
ترى الدراسة أن القاهرة اتجهت نحو تنويع مصادر السلاح والشراكات الاقتصادية بعد تراجع الثقة في الالتزام الأمريكي، خاصة عقب تجميد جزء من المساعدات العسكرية بين عامي 2013 و2015، إلى جانب الانتقادات الغربية المستمرة لملف حقوق الإنسان.
أجرت مصر تدريبات عسكرية مشتركة مع الصين تحت اسم “نسور الحضارة”، كما نشرت منظومة الدفاع الجوي الصينية HQ-9B في سيناء مطلع 2026، في رسالة مباشرة لواشنطن تؤكد أن القاهرة قادرة على البحث عن بدائل عسكرية خارج الدائرة الغربية.
لكن التقرير يوضح أن هذا الانفتاح الشرقي لا يقوم على قناعة أيديولوجية، بل على حسابات براجماتية هدفها تقليل الضغوط السياسية الأمريكية. فالصين وروسيا توفران السلاح والتكنولوجيا دون شروط تتعلق بالديمقراطية أو الحريات، وهو ما يمنح النظام المصري مساحة أوسع للحركة.
ورغم ذلك، يؤكد التقرير أن القاهرة تعود دائمًا إلى واشنطن عند الأزمات الكبرى. ففي ملف سد النهضة، لم تستطع الصين أو روسيا تقديم ضمانات حقيقية للموقف المصري، ما دفع القاهرة للبحث مجددًا عن الوساطة الأمريكية من أجل دعم اتفاق قانوني يحفظ حصتها المائية.
الاقتصاد المصري بين الأزمات والارتهان الخارجي
يربط التقرير بين التحركات الخارجية المصرية وتدهور الأوضاع الاقتصادية الداخلية، معتبرًا أن الدولة تسعى لتخفيف الضغوط المالية عبر بناء شراكات مع الشرق، مثل مشروع محطة الضبعة النووية الروسية وإنشاء مركز روسي للحبوب في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس.
كما تحاول مصر استخدام عضويتها في “بريكس+” للبحث عن بدائل تقلل الاعتماد على الدولار، في ظل أزمة النقد الأجنبي وارتفاع الديون الخارجية.
لكن الدراسة تشدد على أن بكين وموسكو لا تملكان القدرة على إنقاذ الاقتصاد المصري بالشكل الذي توفره المؤسسات الغربية مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي. لذلك تبقى القاهرة، بحسب التقرير، رهينة للنظام المالي الغربي مهما توسعت علاقاتها مع الشرق.
ويبرز التقرير حجم الضغوط المعيشية التي يتحملها المواطن المصري نتيجة هذا الوضع، مع استمرار التضخم وارتفاع أسعار السلع الأساسية وتراجع القدرة الشرائية، بينما تعتمد الدولة على القروض والدعم الخارجي لتفادي انهيار اقتصادي أوسع
.
وترى الباحثة أن الخطاب الرسمي حول “الاستقلال السياسي” يصطدم بحقيقة اقتصادية أكثر قسوة، إذ تحتاج مصر باستمرار إلى الرضا الأمريكي والغربي لضمان تدفق التمويل والاستثمارات والحفاظ على الاستقرار المالي.
سياسة التوازن الهش وخطر العزلة
يصف التقرير الاستراتيجية المصرية الحالية بأنها محاولة للعيش بين المعسكرين الشرقي والغربي دون الانتماء الكامل لأي منهما، وهو ما يمنح القاهرة مرونة مؤقتة لكنه يحمل مخاطر متزايدة.
فالغرب ينظر بقلق إلى التوسع العسكري المصري مع الصين وروسيا، بينما يدرك الشرق أن القاهرة لا تزال تعتمد على الولايات المتحدة للحصول على الشرعية الدولية والدعم الدبلوماسي.
ويؤكد التقرير أن هذه السياسة تفرض عبئًا ثقيلًا على الدولة المصرية، خاصة مع تصاعد التوترات الإقليمية وتزايد المنافسة بين القوى الكبرى. ومع أي انقسام دولي أوسع، قد تجد القاهرة نفسها مضطرة لاختيار طرف واضح بعد سنوات من محاولة الموازنة بين الجميع.
وتخلص الدراسة إلى أن مصر لا تنتقل فعليًا من معسكر إلى آخر، بل تحاول استخدام كل الأطراف لضمان بقائها السياسي والاقتصادي. غير أن استمرار الأزمات الداخلية وتفاقم الأعباء الحياتية على المواطن قد يجعلان تكلفة هذه السياسة أكبر من مكاسبها، خصوصًا إذا تقلصت قدرة الدولة على المناورة وسط عالم يتجه نحو استقطاب أكثر حدة.
https://hornreview.org/2026/05/08/egypts-eastward-hedging-and-the-logic-of-selective-alignment/

